فخر الدين الرازي
443
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
منقادة لتصرف اللَّه كما قال عز من قائل : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] وهذا التسبيح هو المراد بالسجود في قوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ النحل : 49 ] أما قوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شيء ، فهو إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب ، ولما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر . واعلم أن قوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر ، يقال : زيد هو العالم لا غيره ، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد ، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم وما لا يكون كذلك لا يكون إلها . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 2 ] لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) [ في قوله تعالى له ملك السماوات والأرض ] واعلم أن الملك الحق هو الذي يستغني في ذاته ، وفي جميع صفاته عن كل ما عداه ، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم ، والموصوف بهذين الأمرين ليس إلا هو سبحانه . أما أنه مستغن في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ما عداه فلأنه لو افتقر في ذاته إلى الغير لكان ممكنا لذاته فكان محدثا ، فلم يكن واجب الوجود ، وأما أنه مستغن في جميع صفاته السلبية والإضافية عن كل ما عداه ، فلأن كل ما يفرض صفة له ، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية في تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلبا أو إيجابا أو لا تكون كافية في ذلك ، فإن كانت هويته كافية في ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلبا كانت الصفة أو إيجابا ، وإن لم تكن تلك لزم الهوية كافية ، فحينئذ تكون تلك الهوية ممتنعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة وعن سلبها ، ثم ثبوت تلك الصفة وسلبها ، يكون متوقفا على ثبوت أمر آخر وسلبه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق علة / ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها ، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته ، وهذا خلف ، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا في ذاته ، ولا في شيء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره ، وأما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن ، لأن الواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد والممكن لا بد له من مؤثر ، ولا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهرا أو عرضا ، وسواء كان الجوهر روحانيا أو جسمانيا ، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجودا ، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سوادا ، قالوا : لأنه لو كان كون السواد سوادا بالفاعل ، لكان يلزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سوادا وهذا محال ، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضا بالفاعل ، وإلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجودا ، فإن قالوا : تأثير الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود ، قلنا : هذا مدفوع من وجهين الأول : أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمرا ثبوتيا ، إذ لو كان أمرا ثبوتيا لكانت له ماهية ووجود ، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه ولزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمرا ثبوتيا ، استحال أن يقال : لا تأثير للفاعل في الماهية ولا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني : أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمرا ثبوتيا ، استحال أيضا جعلها أثرا للفاعل ، وإلا لزم عند فرض